المبادئ السبعة للارتقاء بالتعليم الجامعي

0 111
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله ومن والاه، وبعد:
فاعتمادًا على ما يُقارب خمسين سَنَةً من البحث العلمي حول كيفية التعليم وكيفية التعلُّم خرج الباحثان آرثر شيكيرينج وزيلدا جامسون (1987م) بمبادئ سبعة للممارسة الجيدة في التعليم الجامعي.
وقد لاقت هذه المبادئ السّبعة قبولا ورواجا كبيرين لدى كافّة الأوساط الأكاديمية ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية لما تستند إليه من أساس علمي متين. ومن ثمَّ أصبحت هذه المبادئ معيارا تُوزَنُ به كافة مؤسسات التعليم العالي في الولايات المتحدة الأمريكية، فبقدْر حَظِّ المؤسسة التعليمية من الممارسة لهذه المبادئ يكون اعتمادها وتقديرها ورتبتها.
تَنَصُّ هذه المبادئ السبعة على ما يلي[1]:
التعليم الجامعي الجيد يتصف بما يلي:

1. يُشَجِّع على الاتصال بين الأستاذ والطالب:

إن الاتصال المتكرِّر بين الأستاذ والطالب داخل حجرة الصف وخارجها هو أهم عامل في تحفيز الطالب ودفعه نحو التعلُّم. واهتمام الأستاذ بالطالب يساعد الطالب على تخطي العقبات التي تواجهه، ويجعله يستمر في دراسته واجتهاده. ومعرفة الطالب عن قرب ببعض الأساتذة تعزز فيه الوفاء بالتزاماته الفكرية وتدفعه إلى التفكير بقِيَمِهِ الخاصَّة وخططه المستقبلية.

2. يُنَمِّي التبادلية والتعاون بين الطلبة أنفسِهم:

إن عملية التعلُّم تزداد فعالية عندما ينخرط فيها المتعلمون بصفتهم فريقا واحد لا بصفتهم أفرادا، كل فرد منهم يجري في مضمار مستقل عن الآخر. فالتعلم الجيد هو تماما كالعمل الجيد يقوم على التعاون والاشتراك، لا على التنافس والانعزال. إن العمل بصحبة الآخرين يزيد من انخراط الطلاب في العملية التعلُّمية، وعندما يُبادِل الطالب الطلاب الآخرين أفكاره ويستجيب لردود أفعالهم فهذا من شأنه أن يزيد من حدَّةِ فِكْره ويُعمِّقَ فهمَه.

3. يُشَجِّع (( التعليم الفعَّال )):

التَّعلُّم ليس كمشاهدة مباراة لكرة القدم. لا يتعلم الطلاب جيدا بمجرد الجلوس في حجرة الصف والاستماع إلى الأستاذ، ولا بحفظ المادة العلمية المعدَّة سلفًا، ثم رشق الأستاذ بالإجابات. وإنما ينبغي أن يتحدَّث الطلاب، وأن يكتبوا، حول ما يتعلمون، ثم يربطوه بخبراتهم السابقة، ويحاولوا تطبيقه في حياتهم اليومية. يجب عليهم أن يجعلوا ما يتعلمونه جزءا من ذواتهم.

4. يُزوِّد الطلاب بتقييمٍ عاجل:

معرفة الطالب بالقدْر الذي يعلمه والقدر الذي لا يعلمه تجعله أكثر تركيزًا في عملية التعلُّم. ولذلك يحتاج الطلاب دومًا إلى تغذية راجعة حول أدائهم لكي يستفيدوا من موادِّهم الدراسية. في البداية وقبل البدء يحتاج الطلاب لمن يقيِّم لهم حصيلتهم العلمية وكفاءتهم، وفي حجرة الصف لا بد أن تُتاح لهم الفرصة مرارًا كي يوجِّهوا الاقتراحات ويستقبلوها لتطوير أدائهم. وفي مراحل مختلفة أثناء التعليم الجامعي، وفي نهايته، لا بد من إتاحة المجال للطلاب للقيام بتسجيل ما تعلموه، وتعريفهم بما لم يتعلموه بعد، وكيف يمكنهم تقييم أنفسهم في هذا المجال.

5. يُؤكِّد على أداء المهمَّات في أوقاتها:

الوقت مضافا إليه الجهد يساوي التَّعلُّم. إنه لا بديل عن أداء المهمّات الدراسية في أوقاتها. أنْ يتعلم المرء كيف ينظِّم وقته مهمٌّ جدًا للطلاب والمحترفين على حد سواء. وفي هذا الصدد يحتاج الطلاب إلى مساعدة لتعليمهم كيف يديرون أوقاتهم إدارة فاعلة. إن تخصيص فترات معقولة من الوقت لأداء المهام يعني تعلُّما جيِّدا من قِبَل الطلاب وتعليما جيِّدا من قِبَل الأساتذة. والكيفية التي تصوغ فيها المؤسسة التعليمية توقّعاتها المرحلية المنشودة من الطلاب والأساتذة والإداريين من شأنها أن تضع أساسا لأداء راقٍ من قِبَل الجميع.

6. يَتَوَقَّع نتائج عالية:

تَوَقَّعِ المزيد تحصلْ على المزيد. توقُّعُ الأساتذة والمؤسسة التعليمية نتائجَ عالية لأداء الطلاب مهمٌّ جدا، سواء أكان الطلاب من غير المؤهّلين تأهيلًا جيّدًا، أو من أولئك الذين لا يحبّون بذل الجهد في التعلُّم، أو من المتفوّقين والمجتهدين. فَمِثْلُ هذا التوقُّع سيكون كالنُّبوءة التي تتحقَّق إذا ما اعتقد بها صاحبها، وسيدفع هذا التوقّع الأساتذة والإداريين إلى بذل جهود إضافية لتحقيقه.

7. يُراعي تنوُّع المواهب واختلاف طرائق الناس في التعلُّم.

هناك طرق متعددة يسلكها الناس كي يتعلموا، وينضم الطلاب إلى المؤسسة التعليمية وهم يتمتعون بمواهبَ مختلفة وأنماطٍ متعدِّدَة للتعلّم. فالطالب اللامع في حجرة المناقشة ربما لا يحسن شيئًا في غرفة المختبر أو المرسم، والطالب المبدع في الأعمال اليدوية ربما لا يكون كذلك في الجانب النظري. إذن، لا بدَّ من إتاحة الفرصة للطلاب لإظهار مواهبهم، وجعلهم يسلكون الطريق المناسب لهم في عملية التعلُّم، وبعد ذلك يمكن دفعُهم لسلوكِ طُرُقٍ جديدة في التعلم لا تبدو سهلة.
هذه هي المبادئ السبعة التي وضعها أصحابها أساسا لتطوير وتقييم أداء أي مؤسسة تنخرط في التعليم الجامعي. وتتمتع هذه المبادئ بالعموم المفرط، ولا تشتمل في ثناياها على أيَّة إجراءات عَمَلِيَّة وتطبيقية يمكن امتثالها لتحقيق هذه المبادئ، وهذا شيء مقصود لواضعي هذه المبادئ لأنهم أرادوا لهذه المبادئ أن تنسجم مع أيَّة مؤسَّسة تعليمية سواء أكانت تُعلِّمُ موادَّ نظريةً أم مهاراتٍ مِهْنِيَّةً أم تمزج بين التعليم النظري والمهْني. ويأتي الدور بعد ذلك على كل مؤسسة أن تضع من الإجراءات العملية والوسائل التطبيقية ما تضمن به تحقيق أكبر قدر ممكن من كل مبدأ من هذه المبادئ السبعة. فهذه المبادئ هي مجرَّد موجِّهات عليا للتعليم العالي فحسب.
وفي سبيل تمتُّع المؤسسة التعليمية بأكبر قدْرٍ ممكن من هذه المبادئ فإني أقترح ما يلي:

أولا: دراسة هذه المبادئ وفهمها ثم تَبَنِّيها من قِبَل العاملين في المؤسسة والدارسين.
وفي هذا الصدد يمكن القيام بما يلي:
أ. تخصيص جلسات وعلى كافة المستويات (اجتماع رؤساء الأقسام، اجتماع كل قسم) للحوار والنقاش حول هذه المبادئ بغية فهمها فهما أعمق.
ب.البحث عن متخصصين في العلوم التربوية لإلقاء المحاضرات وعقد ورش العمل للعاملين في المؤسسة في سبيل تعزيز فهم هذه المبادئ عندهم.
ج. عقد جلسات “عَصْف ذهني” (=brain storming) مع الطلبة والأساتذة على حد سواء في سبيل إيجاد وسائل لتفعيل هذه المبادئ.
ثانيًا: وضع خطة سنوية عامة من قبل الإدارة ثم من قبل رؤساء الأقسام ثم من قبل كل محاضر تتضمن الوسائل التي سيتبعها كل منهم من خلال موضعه الوظيفي لتفعيل هذه المبادئ، ومتابعة سير المؤسسة في التقدم نحوها. ثم مراجعة ما نُفِّذ من الخطة في نهاية العام.
يدٌ واحدةٌ لا تُصَفِّق، والجهود الفردية التي قد تُبذَل هنا أو هناك من قِبَل هذا الشخص أو ذاك لتفعيل المبادئ السبعة لن تُؤتي أُكُلَها حتى يكون الأمر عامًّا وكاسحًا وعلى كلّ صعيد، ومن هنا كانت المسؤوليّة الكبرى للرُّقِي بالعَمَليَّة التعلُّميَّة التعليمية تقع على أصحاب القرار لأنّ بيدهم الحل والربط والتدريب والتوجيه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أيمن صالح
عدل في 6 نوفمبر 2019
https://gotoayman.blogspot.com/2019/11/blog-post_6.html
(Visited 71 times, 1 visits today)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.