تقرير الجلسة الثانية: واقع تدريس العلوم الشرعية: دراسات ميدانية.

0 436

تقرير الجلسة الثانية: واقع تدريس العلوم الشرعية: دراسات ميدانية.
للندوة الدولية: دريس العلوم الشرعية بالتعليم العالي: مقاربات معرفية وتربوية
إعداد: الدكتور ربيع فارس

في إطار فعاليات الندوة الدولية في موضوع “تدريس العلوم الشرعية بالتعليم العالي: مقاربات معرفية وتربوية” التي ينظمها المركز الدولي للأبحاث والدراسات التربوية والعلمية ومختبر القيم والمجتمع والتنمية بتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي ومركز ضياء للمؤتمرات والأبحاث، انطلقت بفضل الله الجلسة العلمية الثانية يوم السبت 20 مارس 2021 في حدود س 11و 30 الى حدود 13 و 50 بتوقيت المغرب بعنوان ” واقع تدريس العلوم الشرعية: دراسات ميدانية”. في البداية رحب السيد مسير الجلسة د. عبد الحميد الماحي بالمحاضرين والمتابعين، كما أشاد بالمراكز المنظمة واللجنة العلمية لحسن اختيارها لموضوع الدراسة والبحث، مؤكدا على أهمية الدراسات الميدانية في العلوم الإنسانية، لأنها الدعامات المنهجية التي تعطي للدراسات النظرية مصداقيتها. ونظرا لخصوصية حقل الدراسات الشرعية، فان المسير دعا الى ضرورة انتاجات معرفية داخل النسق الشرعي، نستطيع من خلالها الاستفادة من الموروث المنهجي العلمي الذي قعده الغرب في هذا الميدان بهدف تطوير مناهج تدريس العلوم الشرعية لتكون أكثر أثرا في الواقع. وبعد هذه التوطئة أعطى المسير الكلمة للباحثين لعرض نتائج بحوثهم الميدانية التي تركزت حول رصد الاختلالات المنهجية والمعرفية والبيداغوجية والتقويمية في تدريس بعض العلوم الشرعية، واقتراح سبل تطويرها وأساليب تجويدها.

افتتح ذ. محمد الكابوس ورقته بعنوان” واقع منهاج تدريس التفسير بالتعليم العالي: كلية الشريعة اكادير نموذجا”، حيث أكد من خلالها على مجموعة من الاختلالات التي يعاني منها الدرس التفسيري، إذ رصد الباحث من خلال تحليل الملف الوصفي غياب الوضوح في صياغة الأهداف البيداغوجية وعدم قابليتها للتحقيق والقياس لفقدانها لأهداف إجرائية معرفية وقيمية، مما يبعث على العشوائية المنهجية والاضطراب المفاهيمي وضعف التكوين. كما لاحظ الباحث هيمنة الدروس النظرية من حيث المحتوى التعليمي، الذي يغفل الجانب التطبيقي لبناء المهارات واكتساب الآليات للتدرب على التعامل مع كتاب الله فهما واستنباطا، وهذا ما أكده استنطاقه للفئة المستهدفة من الطلاب التي أشارت إلى هيمنة المحاضرات، وغياب المشاركة الفعالة التي تستثمر مهارات المتعلم في تنمية ملكة الاستنباط. أما الجانب التقويمي فلاحظ الباحث أنه بالإضافة الى اختلافه من أستاذ الى آخر، فإنه يرتكز بالأساس على تقويم المعارف من خلال التركيز على الحفظ والاستظهار على حساب تطوير مهارات التحليل والتعليل وإذكاء ملكات النقد والتركيب. أما توظيف الوسائل التعليمية الحديثة فيبقى باهتا في العلوم الشرعية حسب الباحث لعوامل عدة من أهمها غياب التكوين أو عدم الاهتمام بهذا الفن. ثم خلص الباحث إلى مجموعة من التوصيات تقضي بإصلاح المنظومة التعليمية في جملتها، والاهتمام بالطرق والوسائل التعليمية الحديثة لبناء المهارات وتنمية الملكات، واعادة النظر في صياغة الملف الوصفي بصورة دقيقة، والاهتمام بالمقررات الجامعية والتقويم المستمر.

اما البحث الثاني للأستاذ خالد البورقادي بعنوان:” واقع منهاج تدريس أصول للفقه بالجامعة المغربية ومداخل التطوير”، فلقد أكد الباحث في بدايته على شرف علم أصول الفقه وأهميته في بناء شخصية الطالب، لخصوصيته المنهجية المعرفية كأداة للنظر في الوحي. ثم تلاها بالتدقيق في مصطلح “المنهاج” من الناحية اللغوية والاصطلاحية الذي يشي بوضوح السبيل الموصلة للهدف، ليخلص بعدها الباحث الى مجموعة من الاختلالات المنهجية في تدريس مادة الأصول، لعل أهمها وجود خلط بين الأهداف والمهارات راجع الى اضطراب في دقة صياغة الأهداف والمضامين لهذه المادة من حيث الملاءمة والوظيفية والواقعية، ناهيك عن اشكالات أخرى تتعلق بصعوبة استيعاب المادة الاصولية، وغلبة التجريد وضعف الأمثلة التطبيقية الأصولية، راجعة الى تأثير علم الكلام والمنطق في المباحث الأصولية. اما التقويم فلاحظ الباحث أنه لا يعتمد أي أساس علمي من أسس التصنيف التعليمية، لأن أغلب المهارات المستهدفة تقف عند مهارة الحفظ وتذكر المعارف وضعف في التحليل والتركيب والتقويم والنقد، مما يتنافى مع مقاصد أصول الفقه. ثم أشار الباحث الى أن غياب سلم التنقيط والاكتفاء بالأسئلة المباشرة يؤدي في الغالب إلى الانطباعية والعمومية بعيدا عن منهج البحث والمعرفة، كما ركز الباحث على خلل في التكوين المستمر للأساتذة، رغم كون التدريس صناعة تحتاج الى مؤهلات بيداغوجية جامعية. وأخيرا اقترح الباحث مجموعة من المقترحات ترتكز بالأساس على التدقيق في صياغة الأهداف في الملفات الوصفية، وتحديد المهارات الأصولية المستهدفة واستثمارها في الدرس الأصولي، كما أوصى بضرورة توظيف الخرائط المفاهيمية لتقريب علم أصول الفقه خصوصا أن هذا النمط من الوسائل المعرفية يتناسب مع البنية الداخلية لهذا العلم. وفي الختام أشار الباحث الى أن علم الأصول قد خطا خطوات هامة، لكنه في حاجة إلى تطوير مناهجه البيداغوجية حتى تستجيب للشروط العلمية الأكاديمية، مشيرا إلى ضرورة توسيع الغلاف الزمني لتحقيق بعض الأهداف البيداغوجية وتوحيد وتقريب المباحث الأصولية، والتعامل مع النوازل وربط الأصول بالفقه لبناء الملكات الأصولية، وذلك بالاستفادة من المقاربات التربوية الحديثية في تكوين الأساتذة.

اما البحث الثالث بعنوان: “منهاج تدريس السيرة النبوية بالجامعة المغربية: اكراهات التنزيل ومداخل التطوير، دراسة ميدانية”، فلقد قدمت فيه الأستاذة الزهرة الأحرش دراسة ميدانية استندت الى دراسات نظرية رصدت من خلالها واقع تدريس وحدة السيرة النبوية في مجموعة من الجامعات المغربية في سلك الدراسات الإسلامية، وذلك من خلال تحليل الوثائق الوصفية واستطلاع آراء ومواقف الفاعلين المباشرين من أساتذة وطلبة. فبعد أن أوضحت الباحثة منهجها في جمع البيانات والمقابلات، فلقد خلصت إلى مجموعة من الملاحظات المنهجية والبيداغوجية، منها تقلص الغلاف الزمني المخصص للدراسات النظرية وخصوصا التطبيقية منها رغم أهمية التداريب في تحصيل المهارات والكفايات المنهجية والتكيف السوسيومعرفي لدى الطالب، كما تتبعت بنية منهاج السيرة النبوية من حيث الاهداف والمحتوى والطرق والتقويم في الملف الوصفي لتخلص الى اختلالات منهجية قد تنعكس سلبا على الأداء الديداكتيكي. ثم استقت الباحثة رؤية الأساتذة في إكراهات تنزيل وحدة السيرة تلخصت بالأساس في عدم ملاءمة الإصلاحات الجديدة لمعطيات الكلية، وافتقار مراكز وشعب للتكوين البيداغوجي، لذا ركز الأساتذة في مقترحاتهم لتجويد تدريس السيرة على تنظيم دورات تربوية تكوينية وتفويج الطلبة ومواكبة المستجدات، وتوزيع السيرة على جميع الفصول الجامعية والاستفادة من الفكر التربوي الحديث. ثم ذكرت الباحثة مجموعة من الصفات التي يراها الطلاب ضرورية في أستاذ مادة السيرة و الكفايات المراد تحصيلها في مادة السيرة التي تركزت بالأساس على تحقيق التوازن النفسي والكفايات المنهجية والمعرفية. ثم حللت الباحثة الأسس الابستمولوجية لدرس السيرة من أساس عقدي وفلسفي واجتماعي وثقافي ونفسي وقيمي ومعرفي وديداكتاكي في البناء المفاهيمي، لتخلص الى بيان مركزية الأساس العقدي باعتباره التصور العام والثابت، والتأكيد على ضرورة التكامل المعرفي في مكونات الفصول الجامعية مع الانفتاح ومراعاة خصوصيات المجتمع المحلي والوطني والمشترك الانساني ليضمن لدرس السيرة فعاليته الحضارية وتأثيره النفسي على الطالب واستمراريته الزمانية.

اما البحث الأخير، فلقد كان بعنوان:” طرق ومناهج تدريس مادة القران الكريم وتعزيزها في كليات الشريعة”، ركز فيه الدكتور الشيخ التجاني أحمدي في البداية على حظوة مادة القرآن بالتعليم العالي لسمو مرتبتها ومركزيتها في العلوم الشرعية، مما يوجب تطوير مناهجها ووسائلها البيداغوجية للارتقاء بتعليمها في الطور الجامعي. ثم بسط الباحث الفروق الجوهرية بين تدريس مادة القرآن في القديم والحديث، ليذكر ان الأصل في تعليم القرآن في القديم كان يعتمد بالأساس على التلقي والسماع والمشافهة بالسند المتصل على يد شيخ متقن، ويهدف إلى تصحيح التلاوة وضبط المحفوظ من تكرار إلى غير ذلك من الوسائل العملية كالكتابة على اللوح ونحوها. أما بخصوص مادة التفسير فلقد أشار الباحث الى اختلاف مناهجها باختلاف مشرب المفسر وذكر نماذج من ذلك، من تفسير الغريب دون زيادة، والتفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي والتفسير الفقهي والتفسير الاشاري. في إطار تحليله لمناهج تدريس القرآن في الدراسات العليا، لاحظ الباحث هيمنة الصبغة التلقينية التقليدية من محاضرات دون تطوير للمهارات واشراك للطلاب واستعانة بتكنولوجيا الاعلام، ثم أكد على تنوع أساليب التدريس حسب مناهج وتكوين الأساتذة، وغياب صياغة أهداف اجرائية وجزئية قابلة للقياس. ثم خلص الباحث بعدها الى ذكر الأسس العملية التي يجب أن يقوم عليها منهج التدريس في التعليم العالي من أدوات عملية قائمة على الأساس المعرفي لإصلاح منهج تدريس القرآن، وكذا الأساس المنهجي في توصيل المعلومة، من استثارة دافعية الطلبة عند تمهيد الدرس، وكذا حسن العرض والشرح وحسن الإغلاق في خاتمة الدرس، إضافة الى تجويد التقويم. ولتحقيق كل هذا ذكر الباحث مجموعة من الآليات لتعزيز تدريس مادة القرآن من تأصيل علمي، وتعامل مع المستجدات، واهتمام بطرق التفكير وتنشيط الطالب على البحث وتوسيع دائرة الحوار والمناقشة، وتطوير الطرق التعليمية التفاعلية التي تبني المهارات وتحترم المرحلية في التدريس، وتكتشف رغبات الطلاب وتصقل مواهبهم.

بعد عرض كل البحوث، شكر المسير د. عبد الحميد الماحي الباحثين على حسن عرضهم وأعطى الكلمة التعقيبية لمناقشة البحوث للدكتور حميد مسرار، الذي شكر بدوره المنظمين على حسن اختيارهم للموضوع، ثم أشار الى أهمية الدراسات الميدانية باعتبارها مؤشرا يرصد واقع تدريس التعليم كما هو بايجابياته وسلبياته، لكنه أكد في المقابل على الخصوصية المنهجية لمثل هذه الدراسات. ثم ذكر د. حميد مسرار باقتضاب ما خلص اليه الباحثون من اختلالات في تدريس مادة القرآن على مستوى التكوين البيداغوجي والمهارات المقصودة من نقد وتحليل وتعليل، وغياب صياغة الأهداف الإجرائية وضعف طرق التقديم، واختلالات في تدريس مادة الأصول من استيعاب للمفاهيم الأصولية، وغياب التكوين والتقويم الذي يرتكز على التذكر والمعرفة، وكذا ضعف المقارنة البيداغوحية في تدريس السيرة وغياب مشروع مؤطر للوحدة وضعف الغلاف الزمني، مع عدم وضوح العناصر. ثم عرج د. حميد مسرار على ملاحظات بخصوص البحوث المقدمة منها عدم استيفاء بعض البحوث للشروط الموضوعية والمنهجية للدراسات الميدانية التي تحتاج الى معرفة رصينة بعلم الاحصاء واختيار دقيق للعينات المستهدفة، كما أكد على ضرورة التدقيق في بعض المصطلحات والبعد عن العموميات في تشخيص بعض القضايا، مشيرا إلى ضرورة استحضار بعض الإكراهات الميدانية واللوجيستية التي تلجئ بعض الأساتذة إلى الطريقة التلقائية لكثرة عدد الطلاب وقلة الأساتذة. وفي هذا السياق أشار د. حميد مسرار الى أن البحوث التي ركزت على اقتراحات الطلبة رغم أهميتها فإنها تظل صعبة التنزيل، مؤكدا على أن زمن التدريس ليس شرطا في تجويد العمل التدريسي، ثم ختم بالإشادة بفكرة اقتراح تبني الخرائط المفهومية في تقديم المادة الشرعية.

بعد هذا التعقيب ختم المسير د. عبد الحميد الماحي الجلسة مذكرا بأهمية البحوث التي قدمت في تطوير التدريس الجامعي للعلوم الشرعية، ثم أحال الكلمة في الختام لمدير المركز الدولي للأبحاث والدراسات التربوية والعلمية د. ربيع حمو الذي شكر بدوره المسير على إدارته الماتعة للجلسة رغم الظروف التقنية، ثم ذكر بأهمية البحوث الميدانية للتقويم الجامعي، مؤكدا على أن المقابلات التي أجريت مع بعض الأساتذة الجامعين أظهرت وعيا بمجمل الاشكالات المطروحة بالإضافة الى اقتراحات طموحة لتطوير العمل التدريسي. وأكد في الختام د. ربيع حمو على أن مجرد هذا النقاش في الجامعات يعد مكسبا وخطوة هامة في مسالك تدريس العلوم الشرعية بغض النظر عن النقاش التفصيلي الذي يحتاج الى مزيد بحث وتطوير، ثم ذكر بضرورة انفتاح الممارسة التدريسية على العالم الرقمي واقتراح مواد تطبيقية خارج الفصول الدراسية.

(Visited 200 times, 1 visits today)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.